السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
30
مختصر الميزان في تفسير القرآن
الخضوع فهو من باب الأخذ بلازم المعنى وإلا فالخضوع متعد باللام والعبادة متعدية بنفسها . وبالجملة فكأنّ العبادة هي نصب العبد نفسه في مقام المملوكية لربه ولذلك كانت العبادة منافية للاستكبار وغير منافية للاشتراك فمن الجائز ان يشترك أزيد من الواحد في ملك رقبة أو في عبادة عبد ، قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ ( غافر / 60 ) . وقال تعالى : وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ( الكهف / 110 ) . فعد الاشراك ممكنا ولذلك نهى عنه ، والنهى لا يمكن الّا عن ممكن مقدور بخلاف الاستكبار عن العبادة فإنه لا يجامعها . والعبودية انما يستقيم بين العبيد ومواليهم فيما يملكه الموالى منهم ، واما ما لا يتعلق به الملك من شؤون وجود العبد ككونه ابن فلان أو ذا طول في قامته فلا يتعلق به عبادة ولا عبودية ، لكن اللّه سبحانه في ملكه لعباده على خلاف هذا النعت فلا ملكه يشوبه ملك ممن سواه ولا ان العبد يتبعض في نسبته اليه تعالى فيكون شيء منه مملوكا وشيء آخر غير مملوك ، ولا تصرّف من التصرفات فيه جائز وتصرف آخر غير جائز كما أن العبيد فيما بيننا شيء منهم مملوك وهو افعالهم الاختيارية وشيء غير مملوك وهو الأوصاف الاضطرارية ، وبعض التصرفات فيهم جائز كالاستفادة من فعلهم وبعضها غير جائز كقتلهم من غير جرم مثلا ، فهو تعالى مالك على الاطلاق من غير شرط ولا قيد وغيره مملوك على الاطلاق من غير شرط ولا قيد فهناك حصر من جهتين ، الرب مقصور في المالكية ، والعبد مقصور في العبودية ، وهذه هي التي يدل عليه قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ . حيث قدّم المفعول وأطلقت العبادة . ثم إن الملك حيث كان متقوم الوجود بمالكه كما عرفت مما مر ، فلا يكون حاجبا عن مالكه ولا يحجب عنه ، فإنك إذا نظرت إلى دار زيد فان نظرت إليها من جهة انها دار أمكنك ان تغفل عن زيد ، وان نظرت إليها بما انها ملك زيد لم يمكنك الغفلة عن مالكها وهو زيد .